النويري
155
نهاية الأرب في فنون الأدب
وخلع المطيع « 1 » كما ذكرناه ، وتوالت تلك الفتن ، انفصل أفتكين عن بغداد في سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة في ثلاثمائة غلام ، وسار حتّى قدم حمص فأقام أيّاما يسيرة ، وسار منها إلى دمشق ، فوجد أحداث البلد قد تحكَّموا فيها والفتن بين أهلها وبين عسكر المغاربة . فخرج إليه شيوخ دمشق وأظهروا السّرور به ، وسألوه أن يتولَّى عليهم ، ويكفّ أيدي المفسدين ، وتوثّقوا منه وتوثّق منهم بالأيمان ، ودخل البلد وأصلح أمره ، وأحسن السّيرة ، وكفّ المفسدين ، فاستقام له الأمر وثبت قدمه « 2 » . فاضطر إلى مكاتبة المعزّ لدين اللَّه بمصر فكاتبه وخادعه ، وغالطه ، وأظهر الانقياد إليه والطاعة لأمره . فأجابه المعزّ يستدعيه إلى حضرته ليشاهده ، ويصطفيه لنفسه ، ويعيده إلى ولايته ؛ فلم يثق إلى ذلك وامتنع من الإجابة . ووافق ذلك علَّة المعزّ ووفاته . وكتب أفتكين في أثناء هذه القضيّة إلى مولاه ببغداد يقول إنّ الشام قد صفا في يدي ، فإن سيّرت إلىّ عسكرا ومالا وسلاحا فتحت ديار مصر ، فبعث إليه الجواب : غرك عزك فصار قصار ذلك ذلَّك فاخش فاحش فعلك ، فعلَّك تهدأ بهذا . فلما أيس أفتكين من إنفاذ العساكر إليه من بغداد اضطرّ عند ذلك إلى مكاتبة القرامطة ، فقصدوه ووافوه في سنة خمس وستّين وثلاثمائة ؛ وكان الذي أتاه منهم إسحاق ، وكسرى ، وجعفر ؛ فنزلوا بظاهر دمشق ، ووافاه معهم كثير من العجم . فأكرمهم أفتكين وحمل إليهم الميرة ، فأقاموا أيّاما وتوجّهوا إلى الرّملة ، فخرجت إليهم عساكر السّاحل ، واقتتلوا ، فهزمهم أفتكين ، وقتل منهم مقتلة عظيمة .
--> « 1 » خلع المطيع للَّه في منتصف ذي القعدة 363 ه / أغسطس 974 م - الكامل ج 8 ص 637 ، وانظر نهاية الأرب ج 23 ص 201 وما بعدها . « 2 » انظر الكامل ج 8 ص 656 وما بعدها .